عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
490
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل : مسألة الأمر - يفيد الوجوب - مسألة قطعيّة ، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد . فالجواب : لا نسلم أنّ مسألة الأمر - يفيد الوجوب - مسألة قطعية ، بل هي ظنيّة ؛ لأن المقصود منها العمل ، والدلائل الظنية كافية في العمل . فإن قيل : إنّ اللّه تعالى ما أمر بالإجابة مطلقا ، بل بشرط خاص ، وهو قوله : إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ فلم قلتم إنّ هذا الشرط الخاص حاصل في جميع الأوامر ؟ . فالجواب : أنّ قصة أبي تدلّ على أنّ هذا الحكم عام ليس مخصصا بشرط معين ، وأيضا فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة ؛ لأنّ إحياء الحيّ محال ؛ فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز بالثواب ، وكل ما دعا اللّه إليه ورغب فيه مشتمل على الثواب ، فكان هذا الحكم عاما في جميع الأوامر . فصل [ في المراد بقوله : « لِما يُحْيِيكُمْ » ] في المراد بقوله : « لِما يُحْيِيكُمْ » وجوه : أحدها : قال السّديّ : هو الإيمان والإسلام وفيه الحياة « 1 » ، وقال قتادة : يعني القرآن فيه الحياة والنّجاة « 2 » . وقال مجاهد : هو الحق « 3 » . وقال ابن إسحاق : الجهاد أعزكم اللّه فيه بعد الذّلّ ، وقال القتيبيّ : الشّهادة ، قال تعالى : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ آل عمران : 169 ] . قوله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ قال الواحديّ حكاية عن ابن عباس ، والضحاك : يحول بين المرء الكافر وطاعته ، ويحول بين المطيع ومعصيته ، فالسّعيد من أسعده اللّه ، والشقيّ من أضله اللّه ، والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء « 4 » . وقال السّديّ : يحول بين الإنسان وقلبه ، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه « 5 » . وقال سعيد بن جبير ، وعطاء : يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان « 6 » . وقيل : إنّ القوم لمّا دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم واختلجت
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 211 ) وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 240 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 212 ) وانظر معالم التنزيل للبغوي ( 6 / 211 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 213 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري ( 6 / 214 ) والحاكم ( 2 / 328 ) عن ابن عباس وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 320 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وحنيش بن أصرم في الاستقامة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وأخرجه الطبري أيضا ( 6 / 214 ) عن الضحاك . وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 241 ) . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 215 ) وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 241 ) . ( 6 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 213 ) وانظر معالم التنزيل ( 2 / 241 ) وأخرجه الطبري أيضا عن ابن عباس ( 6 / 213 - 214 ) .